أبي حيان التوحيدي

29

المقابسات

ونشرج عيابها « 1 » ، ونحكم أساسها ، ونبرم أمراسها « 2 » ، والعيون تحدج بالحسد ، والأنوف تعطس بالكبر ، والصدور تستعر بالغيظ ، والأعناق تتطاول بالفخر ، والألسنة تشحذ بالمكر ، والأرض تميد بالخوف ؛ لا ننتظر عند المساء صباحا ، ولا عند الصباح مساء ، ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه « 3 » ، ولا نبلغ إلى شئ إلا بعد تجرع العذاب قبله ، ولا نقوم بناد إلا بعد اليأس من الحياة عنده ؛ فادين في كل ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بالأب والأم ، والخال والعم ، والمال والنشب ، والسبد واللبد « 4 » ، والهلّة والبلّة « 5 » ، بطيب أنفس ، وقرة أعين ، ورحب أعطان ، وثبات عزائم ، وصحة عقود ، وطلاقة أوجه ، وذلاقة ألسن ؛ هذا إلى خبيئات أسرار ، ومكنونات أخبار ، كنت عنها غافلا ، ولولا سنك لم تكن عن شئ منها ناكلا ، كيف وفؤادك مشهوم « 6 » ، وعودك معجوم ، وغيبك مخبور ، والخير منك كثير . والآن قد بلغ اللّه بك ؛ وأرهص « 7 » الخير لك ، [ وجعل مرادك بين يديك ] فاسمع ما أقول لك ، واقبل ما يعود قبوله عليك ، [ وعن علم أقول ما تسمع : فارتقب زمانك ، وقلّص أردانك ] ودع التجسس والتعسس لمن لا يظلع « 8 » لك إذا خطا ، ولا يتزحزح عنك إذا عطا « 9 » ؛ فالامر غض ، وفي النفوس مض ، وأنت أديم هذه الأمة فلا تحلم « 10 » لجاجا ، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا ، وماؤها العذب

--> ( 1 ) العياب جمع عيبة ، وهي وعاء من أدم أي من جلد . وشرجها أي عقد عراها وضمها بعضها إلى بعض . وهو مثل في لم الشمل ورتق الفتق ( 2 ) الامراس : الحبال ( 3 ) نحسو : نشرب وبتجرع ( 4 ) السبد واللبد : الشعر والصوف ( 5 ) الهلة : ما يتهلل له من الفرح والسرور ، والبلة : ما يثلج له الصدر ويكثر به الريق من الخير ( 6 ) مشهوم : متقد ذكاء ( 7 ) أرهص : أسس وأقام ( 8 ) لا يظلع : لا يخطو خطوات المتوانى كما يخطو الأعرج ( 9 ) عطا : مال نحوك بعنقه ( 10 ) حلم الأديم : فسد وتأكل